سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
20
الإكسير في علم التفسير
أو عن الحاضر إلى الماضي تقريرا وتحقيقا لوقوعه في المستقبل بإيهام وقوعه في الماضي والفراغ منه . أو التقديم والتأخير ؛ بأن يجعل اللفظ في رتبة قبل رتبته الأصلية أو بعدها ؛ لأهمية أو ضرورة ، فلو كان الفاعل هو الأهم قدموه على غيره ، وإن عري من الأهمية أخّروه ، وتقديم الأهم حيث كان أوقع في النفس . وهكذا إذا كان التقديم لفائدة وبقيت معه طلاوة الكلام وبلاغته ، كان جيدا ، وإن كان لغير فائدة فهو رديء وعيب كقول ذي الرمة : فأصبحت بعد خطّ بهجتها * كأنّ قفرا رسومها قلما أراد : فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خطّ رسومها ، فلا فائدة من هذا التقديم والتأخير إلا التعقيد في المعنى ، والإغراب في التركيب . ومن شجاعة العربية الاعتراض وهو وقوع الكلام الأجنبي بين جزأي الجملة المرتبط أحدهما بالآخر . ومنه الجيد والرديء . فالجيد : ما دخل الكلام لفائدة معنوية ولم يخلّ بطلاوته اللفظية ، كقوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ - حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ - أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( لقمان 14 ) ، وفائدة هذا الاعتراض تأكيد حق الوالدين بذكر تعبهما وما عانياه في تربيته ، وقد وردت السنّة بتأكيد حق الأم على حق الأب ؛ لزيادة مشقتها في حمله ووضعه وتربيته ، وفي الآية دليل على ذلك : من جهة أنه ذكرهما بلفظ الوالدين المشتق من الولادة وهي حقيقة من الأم مجاز من الأب ، والأب فيها تابع للأم ، دخيل عليها فيها ، فدل على تأكد حقها عليه في البر كتأكد المتبوع على التابع . والرديء : ما أخلّ بطلاوة الكلام ورونقه لغير فائدة ، كقول الشاعر : نظرت - وشخصي - مطلع الشمس - ظله إلى الغرب حتى ظله الشمس قد غفل